د.عدنان الظاهر ديوان شعر للشاعر أحمد عبد الزهرة الكعبي
كتبهاأحمد عبدالزهرة الكعبي ، في 13 شباط 2006 الساعة: 08:14 ص

ديوان شعر للشاعر أحمد عبد الزهرة الكعبي
ألطبعة الأولى، أيلول 2004 . الناشر : الحضارة للنشر. القاهرة
أحمد الكعبي شاعر آخر من شعراء قصيدة النثر الشباب. عراقي المولد ألماني الإقامة. لفت نظري قبل كل شيء أسلوبه الخاص في إختيار عناوين قصائده. فلكل عنوان نكهة خاصة ومزاج خاص. ووراء كل عنوان رمز خاص أو عدّة رموز يُفصح الشاعر عنها خلال سرد عناصر القصيدة. ولكن حذارِ : ما تقوله الكلمات شيء وما يريد أن يقوله الشاعر شيء آخر. فشعره على وجه العموم شعر قريب جدّاً من الشعر السوريالي. وإنَّ الشاعر لقدير ومتمكن من أدواته وأساليبه. ثمّة أمر آخر شدّني بقوة إلى شخصية هذا الرجل : إنه يتحرك كصخرة بازلت هائلة لا يؤثر فيها مطر ولا برق ولا رعود. إنه من نسيج خاص من الرجال، يتقبل أقداره باسماً. يؤخذ إلى العسكرية وسوح القتال فلا يبالي ولا يُقيمُ وزناً لإحتمال الموت. كأنَّ شعاره ( ومن لم يَمُت بالسيف مات بغيره…). هل معنى هذا أنَّ الشاعر – الإنسان لا يساهم في صنع بعض أقداره ؟ الجواب بلى. إنه على سبيل المثال هرب من الخدمة العسكرية التي فرضها عليه وعلى الملايين من العراقيين سواه نظامُ الحروب والسموم والإغتيالات.ثم إنه ترك وطنه العراق طلباً للأمان له ولأفراد عائلته.
أمر آخر لفت نظري وأنا اقوم بدراسة الديوان: يتحدر الشاعر من عائلة شديدة التمسك بدينها لكنَّ السيد أحمد الكعبي، وريث دين ومذهب ومقدسات هذه العائلة، وربما أغلب تقاليدها وعاداتها، عزل هذا الإرث الديني عن عناصر إلهامه الشعري حتى أنَّ القاريء لا يكاد يقرأ في الديوان أي أثر لهذا الموروث الذي يعتز به الشاعر. تلكم لَعَمري ظاهرة نادرة وفريدة في تأريخ الشعر. فالشعر مرآة الشاعر ظاهراً وباطناً كما نعلم. لقد عزل الشاعر دينه عن دنياه فتكشّفت مملكته الشعرية مملكةً علمانية ليس فيها تطرف ديني أو سياسي.كما إنها تخلو من سادية بعض الشعراء الذين يحاولون جاهدين أن يفرضوا على قاريء شعرهم مذاهبهم وعقائدهم ومناهجهم وأذواقهم الأدبية. هل نبحث أو نسأل عن سر هذه الظاهرة ؟ سُدىً… فالرجل نسيج خاص بين الرجال الشعراء.
أبرزُ موضوعات الديوان :
يضم الديوان سبعاً وعشرين قصيدة موزعة على سبع وثمانين صفحة. كتب هذه القصائد ما عدا واحدة في مدينة ميونيخ الألمانية. أهداه إلى المرحوم والده بقوله [ إلى أبي… لا زال مجلس العزاء في قلبي، ألا تأتي لتعزّيني ؟ ]. كما كتب لي على الصفحة الأولى من النسخة التي أهداني [ حين كان العراقُ يضمّنا بكيناهُ حبّاً… وها نحن نبكيه كحلم لا يأتي ولو مرّة في ليالينا الخالية من القمر!! ]. هل هناك ما هو أبلغ من هذين الإهداءين وما جاء فيهما من كلام ؟ مفتاحان هائلان أو بوابتان تنفتحان على عوالم الشاعر وشعره. رصدت موضوعاتٍ أربعةً رئيسة تدور حولها هواجس الشاعر ومحتويات الديوان. لعلنا إذا ما درسناها عن كثب أن نهتدي إلى قلب الشاعر ولعلنا أن نُوَفق إلى فهم مقاصده والولوج إلى عالم أسراره وفك طلسمات أحلامه ورموزه. المحاور الرئيسة الأربعة هي :
1- الحرب… الموت… المقابر
2- إنقسام الشاعر على نفسه / الأشباح والأحلام
3- الماء… الأنهار… المطر
4- الأبواب… المدن
الحرب… الموت خدم الشاعر أربعة أعوامٍ مُجنّداً في الجيش العراقي.كما عانى كبقية العراقيين من ويلات الحروب والغزو فكان شاهد عيان حيّاً على ما أصاب وطنه ومواطنيه من خراب ودمار وموت وإعدامات في الشوارع وتعليق للجثث على أبواب الدور، ومن زج عشوائي في السجون الرهيبة ومن تخريب للذمم والنفوس وتدنيس للأعراض. جرى كل هذا أمام عينيه سواءً أكان طالباً جامعياً أو عسكرياً مُجنّداً في أحد صنوف الخدمة العسكرية الفعلية. ترك هذا الدمارُ غير المسبوق للأرض والعرض والبشر… ترك أعمقَ الآثار في دواخل الشاعر كما ترك بصماتٍ لن تنمحي وجروحاً غائرة في ظُلمات روح الشاعر وفي عقليه الظاهر والباطن. نقرأ هذه الآثار ونتلمس دماء هذه الجروح طريةًّ فوّارةً صبغت الكثير من أشعاره وتركته كالحالم لا يميز بين ما هو واقعي وبين ما هو ليس واقعياً. لقد إنقسم جرّاء ذلك - كما سنرى – على نفسه ولم يعُد قادراً على تحمّل هذا العبء الُمفْرِط بالثِقَل من ذكريات الحروب والتخريب والدمار المبرمج بدقة وخبث ووفق منهجية مشبوهة. حاول الشاعر بكل ما أُوتي من قوّة وقدرة أن ينسلخ عن كوابيس عالم مرعب عايشه بكافة دقائقه وحاول أن ينساه لكنه، حتى بعد أن إستطاع الهروب من العراق واللجوء إلى بلد آمِن، وجده شاخصاً أمام ناظريه مُجسَّداً يترصده في اليقظة وفي دنيا الأحلام والرؤى. لذا جاءت معظم أشعار الديوان مزيجاً من سوريالية الواقع وهذيان الأحلام ولا واقعيتها ولا معقوليتها. الشاعر راصد ممتاز ومقدام في رسم دقائق وجزئيات صور الرعب وإحالة لوح الأحلام السالب إلى لوحات متحركة موجبة الأشكال والأبعاد. إنه لشاعرٌ متمكِّن من خياله ومسيطر على أدواته ووسائله الشعرية إنْ لغةً أو سرداً مركّزاً أو عرضاً م_5ذهِلاً وقدرةً على تنفيذ مشاريع وموضوعات قصيده. بهذه المزايا أراه متفوّقاً على الكثير ممن أعرف من شعراء قصيدة النثر من الشباب الجُدُد. أين نجد الحرب في شعر أحمد الكعبي ؟ نجدها موزعة بدقة على أغلب صفحات الديوان. مثلا، قال في قصيدة ( شموع الأشلاء ) : صباح القتل … مسدسٌ في وجهي ووجهك أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟ مُدججٌ يقدمُ وآخرُ يخبو ونحن نفتحُ التلفاز لنعرفَ عدد القتلى ماذا لو أطفأنا العالم وأيقظنا القتلى ليومٍ ليس فيه ساعةٌ ولا مسدسٌ !! … إفتتح الشاعر هذه القصيدة بجملة ( صباح القتل ) ساخراً من تحية الصباح المألوفة ( صباح الخير ). لا صباحات في عراق السموم والحروب دون قتلى وقتول والمزيد من المصائب والكوارث والنكبات. تحيتهم صباح القتل، فمع الصباح تأتي العوائلَ العراقية أخبارُ قتلاهم سواء في سوح المعارك والحروب مع الجيران أو تحت أعواد المشانق أو في رصاص الإغتيالات الغامضة ومجهولية القاتل.
(مسدس في وجهي ووجهك… أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟؟؟ )) هذا هو السؤال
الذي كان يحدد مصائر العراقيين : فوّهات مسدسات النظام البائد كانت مُسددة بثبات نحو وجوه العراقيين كافة، شاءوا أم أبوا، صمتوا على الهوان أو صرخوا في وجوه القتلة. الموت قادم مع كل صباح يدق الأبواب باباً باباً فأين المفر ؟ لا مفرَّ ولا مهرب. الموت هو القدر والقدر هو الموت… فالنظام كان نظام موت وإفناء وتدمير، نظام قائم على الضد من إرادة الحياة ونواميس الطبيعة. يولد أطفال العراق ليجدوا أنفسهم أمام سَبَطانات
( ماسورات ) المسدسات والبنادق والرشاشات وربما المدافع والدبابات. لا يتسلّى العراقيون بجهاز التلفزيون كباقي خلق الله، لا أغاني تستهويهم ولا مسلسلات، إنما تشدهم أنباء من سقط قتيلاً ومن آب من الجبهة جريحاً ومن أُعدِم رمياً بالرصاص في وسط مدنهم كما حصل للأديب والروائي حسن مطلق الرملي ( إقرأ رواية الفتيت المُبعّثر للكاتب محسن الرملي / الناشر : مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، أغسطس 2000 ). ( نفتح التلفاز لنعرف عدد القتلى… ماذا لو أطفأنا العالم وأيقظنا القتلى ليوم ليس فيه ساعةٌ ولا مسدس !! ). قد يسأل سائلٌ : وما هي علاقة الساعة بالمسدس ؟ الساعة هي ساعة قيامة الموتى (( يومَ أن تقومَ الساعة… )) أي أوان أن يقوم الموتى ساعة الحساب من قبورهم… وليست الساعة اليدوية التي يضعها البشر في معاصم أيديهم. يتمنى الشاعر الخلود لأخيه الإنسان… لا يريده أن يموت، تماماً كأمنية جلجامش وسعيه في الآفاق وراء عشبة الخلود. لا قيامة ولا ساعة للقيامة إلاّ بعد موت. يبتغي الشاعر الحياة الأبدية خاليةً من عناصر الفناء ومن أدوات الموت كالمسدس وما شابهه من وسائل القتل والفتك. إنها مجرد أُمنية كبيرة ومفرِطة في طوباوية الخيال. إنها جنّة المؤمنين ولكنها جنّة مبنية على تراب أديم كرتنا الأرضية. مرةً أخرى ينجح الشاعر في الجمع بين الدين والدنيا.
أقول للشاعر : سيبقى المسدس مشهوراً في وجوهنا وسيبقى البشر منتظرين قيام الساعة.
من أجواء الحرب الأخرى. قال الشاعر في قصيدة ( الحفرُ في وجه المكان )
أحفرُ
أحفرُ
القبور قادمة…
كان الكافورُ أشجاناً
وأنا أتلو خافتاً
لا مرورَ إلاّ للغربانِ
ولا صُراخ سوى للريح
شاهدٌ يجرُّ جُثةً من الرصيفِ
والرصيفُ دون جثّة !
…
ميدوزا بقايا لكوليرا الأسطورة
وأنكيدو تجرّبَ بحب الشبابِ
العصورُ الذهبيةُ تنكٌ صديء
وقرارُ الحربِ عادةٌ سريّةٌ
إذن…
حضّرتُ ثيابَ الأشباحِ
كي أسُدَّ بكاءَ أُمّي
من ميازيب الرهبة
…
إذن هو الموتُ… قادمٌ
سماوات
أَرَضين
وتلفازٌ أعور
…
كنتُ أقولُ لي
أحفرْ
أحفرْ
فالموتُ قادم
…
سوف أُواري القتلى عن ساحة الكذب
وأواري أوسمة العهر عن جيد القهقهة
…
…
وعينٌ أخرى لتلفاز المقبرة
إطلاق نارٍ في جبهة خامسةٍ
وأصابع ترفعُ الأدغالَ من ضلوعي
جنرال جديدٌ ببزةٍ من صُراخِ الأرامل
وجنديٌ يحملُ دُميةً حمراء !
ماذا لو خرجَ الشهداءُ ؟
وفي صدورهم وجوهُ الأرامل ؟
أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم
وأيُ سكوت ؟
فأنا أحفرُ في وجهِ القنبلةِ قبرَ المكانِ
أحفرُ
والحُسينُ بسبعين نجمة يمرُّ
سيدي هذا قبري
وهذه عاشوراءُ الوطن
أحفرُ
أحفرُ
وأنا دون ظلٍّ
أُخفي جندياً هرب من المدينة
أمسحُ ثيابه بدمي
علّهُ يتذكرُ الليلةَ أنَّ هناكَ إجازة
للعبِ فوق براكين الحياة
…
لكنه جندي… لا أكثر !
رفعوهُ من اللافتة…
وألزموه الخندق.
كرر الشاعر في هذه القصيدة الفعل (( أحفرُ )) ثلاث عشرة مرة 13 ، فما سبب وما سرُّ ذلك وما هي دلالته ؟ حفر الشاعر والجندي المقاتل نوعين من القبور : قبوراً ضمت رفات الشهداء الذين سقطوا ضحايا جنون رأس النظام الفاشي والمُسرف في الشذوذ والإنحراف عن كل ما هو مألوف ومعروف. (( ماذا لو خرجَ الشهداءُ ؟ وفي صدورهم وجوه الأرامل ؟ أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم ؟ )). أجل، أية حفرة تتسع لمئات آلاف القتلى في جبهات الحرب أو القتلى الراقدين في القبور الجماعية أطفالاً ونساءً وشباباً وشيوخاً ؟؟؟
لقد تم الكشف عن الكثير من هذه القبور الجماعية مباشرةً بعد سقوط نظام صدام حسين وزمرته من القتلة والسُرّاق وعُتاة المجرمين يوم التاسع من نيسان 3003 . وفي التقدير أنْ ما زال الكثير من هذه القبور مما لم يُكشَف عنه بعد. أما الصنف الآخر من فعالية الحفر فإنه ينصرف إلى إعداد المزيد من الأجداث والأضرحة الجديدة للمزيد من القتلى القادمين محمولين على أكتاف أهليهم وذويهم ورفاقهم في السلاح، يلفّهم علم العراق الذي يحمل خط يد صدام حسين صكّاً أبدياً يُحمّل هذا الصدام المعتوه مسؤولية المصير الذي آلَ إليه هذا القتيل بدون ذنب (( وإذا المؤودة سُئلت، بأي ذنبٍ قُتِلت ؟؟ )). يُعتبرُ مثل هذا الشهيد محظوظاً… فلقد شيّعهُ أهلوهُ وذووه وبعضُ الجيرةِ ورفاق السلاح، لأنَّ هناك من القتلى من لم يشيعه أحدٌ ولم يقرأ الفاتحة على روحه أحدٌ… ذلكم ممنوع ومحرّم. بل وأكثر وأمرُّ من ذلك… على أهل القتيل تسديد ثمن الإطلاقات التي إخترمت جسده الغض الفتي. وعلى ذويه القيام بدفنه تحت جُنح الظلام. لقد تم إعدامه من قِبل فرق خاصة للموت والقتل، لإنه رفض قرار الحرب أو رفض الخدمة العسكرية الإجبارية أصلاً أو حاول ترك جبهات القتال ملتمساً مكاناً آمناً أو مستسلماً لعدو إخترعه رأس النظام المقبور كي يُعرّض العراقيين للمزيد من القتل والموت من جهة، ولكي يقوم بتهريب المزيد من مليارات الدولارات إلى خارج العراق من الجهة الأخرى. وتبقى السلطة في نظره هي السلطة والتعسف والتسلط : قتل في وضح النهار وسرقة أموال العباد.
لقد تحول الشاعر في هذه القصيدة إلى حفّار قبور، ف ( القبور قادمة )، وإنه لا يجرؤ على قراءة الفاتحة ( وأنا أتلو خافتاً )، وإنَّ الغربان حاضرة للإجهاز على رِمم القتلى ( لا مرور إلاّ للغربان )، حيث لا أُمٌّ تصرخ أو تبكي أو تستغيث ( لا صُراخ سوى للريح )، وأنًّ الحروب جاءت بقرارات لا يعرفها سوى صدام حسين وقِلّة من أقرب المقربين إليه ( قرار الحرب عادة سريّة )، ( إذن هو الموت قادم ).
يحفر الشاعر – الجندي – الإنسان كل هذه القبور ولا ينسى أجواء الحرب الأخرى، أو إنها هي هذه الأجواء تفرض نفسها عليه فيتجاوب وإياها ويقوم بتصويرها بعدسات حواسه الشعرية الدقيقة والأمينة. فنظام الحروب والسموم يفتح للقتال جبهةً أخرى، جبهة خامسة ( إطلاق نارٍ في جهةٍ خامسةٍ، جنرال جديد ببزة من صُراخ الأرامل ). العدد خمسة لا أهمية حسابية له، فقد يقوم هذا النظام بفتح المزيد من الجبهات… جبهة سادسة … سابعة … عاشرة … فشهوة رأس النظام للقتل والدم مفتوحة ولا حدود لها. لا يجد نفسه المريضة إلاّ في هذه الدماء، ولا يحقق ذاته المنحرفة إلاّ في هذه الأجساد المطروحة. ولقد طالما قتل صدام حسين بمسدسه الشخصى الكثير من العراقيين غرباء عنه أو أقرباء له أو حتى من رفاقه في قيادة الحزب والدولة. لنتذكّر المجزرة التي قام بها في ما يُسمّى بالقصر الجمهوري في تموز من عام 1979 بعد إزاحته لرئيسه أحمد حسن البكر في مسرحية تلفزيونية وإغتصابه للسلطة ومن ثم التفرد المطلق بها دكتاتوراً غاشماً وقاتلاً محترفاً وسارقاً قلَّ نظيره في التأريخ المُعاصر.
نعم، تركت حروب صدام حسين الداخلية والخارجية الكثير من الأيتام والكثير من النساء الأرامل ( ماذا لو خرجَ الشُهداءُ وفي صدورهم وجوهُ الأرامل ؟ )، في حين كان نجله
عَدي يمارس كل أنواع الشذوذ والإنحراف عن الطبع السليم من إعتداءات وسرقات وتجاوزات على التقاليد والأعراف والأعراض والمقدسات. وكانت زوجه ( ساجدة خير الله طُلفاح ) ترفل بالنعيم ومجد السلطلة والسلطان وتقوم بتهريب الملايين وشراء العقارات هنا وهناك. لم يخدم صدام ولا إبنه عدي يوماً في الجيش العراقي، ولم تعرف ساجدة طلفاح الثُكل ولم يُجرّب ولداه اليُتم.كان هذا كله من نصيب بقية أطفال ونساء العراق : قتلى وأسرى ومفقودون وهاربون ومُشرّدون وثُكالى وأيتام ومعاقون. لوحة من موت ودماء لا يَلَذ بها ولا يطرب لها إلاّ مجنون ساديٌّ منحرف الطبيعة والخلق، ثم حرامي كبير ومجرم محترف… وكأنَّ هذا كان نصيب ومصير وقَدَر العراق والعراقيين.
لماذا يتذكر الشاعر (( الحُسين )) و (( عاشوراء )) ؟ هل من وجه للمقارنة بين مجازر صدام حسين ومجزرة الطف قريباً من كربلاء ؟ هل مكتوب على العراق أن يشهد وأن يُخلّدَ أكثر من ( عاشوراء ) واحدة ؟ نعم، فما دامت الجبهات متعددة ومفتوحة كأنْ لا نهاية لها ولا حدود ما دام صدام هو الحاكم المطلق، فإنَّ على العراقيين نساءً ورجالاً أن يتأهبوا للمزيد من لطم الصدور والوجوه بالأكف وضرب الأكتاف والظهور بسلاسل الحديد حيث يتهرأ اللحم وتسيل الدماء حارة فوّارةً تُذكّر العراقيين بمأساة الحسين بن علي
ودمائه ودماء أخوته وأبناء عمومته ومن قاتل معه من محبيه والعارفين قدره. التربة واحدة ( أرض العراق ) والقاتل واحد ( الحاكم المنحرف والمستبد والمغتصب للسلطة ) وإنْ إختلفت نوعية الدماء التي سالت على أديم هذا العراق العريق والمعروق !! هل هناك من علاقة بين كلمتي عِراق و عِراك ؟؟ خاصةً إذا تُرجِمت الأولى إلى بعض اللغات الأجنبية
فإنها لا شيء سوى ( عِراك = Iraq , Irak )…
يُعيدُ التأريخ نفسه أو بعض فصوله أحياناً وإنْ إختلفت الصيغ وبعض التفاصيل. علينا أن نتقصى الجذور المخفية وأن نتتبع المجاري الجوفية كيما نصل إلى جواهر الظواهر وإلى القواسم المشتركة والمفاصل التي تتحكم بحركات الأحداث. نعم، عاشوراء تتكرر والدماء تظل تسيل ويظل العراقيون والعراقيات مهمومين تارةً يبكون وأخرى يشقون الجيوب ويلطمون الخدود والصدور.
آثار الحروب على الإنسان المُرهف والشاعر المتألق جوهراً وفناً شديدة الوضوح فيما كتب من أشعار، حتّى لتكاد كل صفحة من صفحات الديوان تنطق بمفردة أو وصف مُناخ أو إشارة أو رمز أو تصريح لما يمتُّ من صلة بالحرب وظروفها وأجوائها. وإني لأود أن أُنهي هذا الجزء الأول من عناصر الديوان ( الحرب… الموت… ) بقصيدة قصيرة لكنها رائعة الدلالة وكبيرة المغازي. إنها الصرخة المدوية – المكتومة الرافضة للحرب ومآسيها حيث يقف فيها الشاعر – المُجنّد قسراً وقفة رجل شهم شجاع في ساعة إستجواب وربما إتهام وإمتحان عسير. سأله المحققون عمّن كان معه في خلوة أو في إحدى رُدهات المعسكر أو ربما أثناء محاولة الهرب من هذا المعسكر، فيكون جوابه إنه كان وحيداً متفرداً بنفسه. ثم يعيدون عليه نفس السؤال فيقدم لهم جواباً بحجم إنفجار قنبلة هائلة : الشهداء… كل القتلى كانوا معي. ثم وللمرة الثالثة يعيدون عليه ذات السؤال فلا يحظون إلاّ بجواب فلسفي ساخر لا يفهمه الضباط الذين يستجوبونه : كان معه النور والضياء… كان معه فانوس يُضيء الظلمات وينير البصائر والدروب. مصير بعض الشعراء العظام الموت غدراً.
قُتل إمرؤ القيس غدراً وقُتلَ بشّار إبن برد وقُتِلَ الحلاّج والسَهَروَردي وقُتِلَ المتنبي غيلةً وقُتِل الشاعر الروسي بوشكين في مبارزة غير عادلة. القائمة طويلة.
ما قال شاعرنا في هذه القصيدة القصيرة، قصيدة تسجيل محضر تحقيق ؟ قصيدة إعتراف :
" من كان معك " ؟
- كنتُ معي
" من كان معك " ؟
- جميعُ القتلى
" من كان معك " ؟
- فانوس لا تُقرّهُ الحرب
" من كان معك " ؟
- قوارير لدمِ الطيور
وإعتراف لم أحفظهُ بعدُ.
أية رجولة يُسجِل هذا الإنسانُ وهو يخضع لإستجواب عسكري وعلى إحدى جبهات القتال. إنه يواجه عقوبة الموت رمياً بالرصاص إذا لم يُقدم معلومات حول الشخص أو الأشخاص الذين كانوا بصحبته. إنه يقفُ وجهاً لوجه أمام عقوبة الخيانة العظمى خاصةً والبلد في حالة حرب مع الأعداء. إنه يعترف ولكن بأمور أربعة : إنه كان وحيداً. وإن شخوص ورؤى رفاقه القتلى لا تفارقه أبداً، وإنه مع النور والضوء وربما مع مجموعة كتب ممنوع تداولها إنّ في زمن السلم أو في أزمان الحروب. وأخيراً إنه قد أعدَّ الأضرحة والقبور لأجساد رفاقه القتلى ( قوارير لدم الطيور ) فضلاً عن مشروع إعتراف لقَّنه إياه مستجوبوه لكيما ينجو بنفسه ويتجنب القتل بالرصاص …لكنه لم يقبله …لم ينطق به… رفضه وليكن ما يكن ( وإعتراف لم أحقظه بعدُ ).
إنقسامُ الشاعر
لماذا ينقسم الشاعر على نفسه ؟ ولماذا يلجأ إلى عالمي الأحلام والأشباح وتحت أية
ظروف ؟ لماذا يرمي ثِقَلَ نفسه على سواه، على الآخر ؟ أطرح هذه الأسئلة لأنَّ في الديوان قصيدة عنوانها سؤال يتحدى فِكرَ القاريء ويخترق عينه بصياغته اللغوية غير المألوفة. عنوان هذه القصيدة هو ( من سيكونُ أنا ) ؟ يتوقع القاريء أن يكون هذا السؤال بصيغة ( من سأكونُ أنا ) ؟ أو ( سأكونُ من ) ؟. لقد فصم الشاعر نفسه عن نفسه، أو بعضَ نفسه عن بعضها، حين صمم هذا السؤال بصيغة غير مألوفة. لا إعتراض لديَّ على قراره، فالشاعر مبدع وخلاّق بل ( وخارج عن القانون ). الشاعر تكوين نفساني خاص بالدرجة الأولى، وبناء ثقافي ومنظومة لغوية خاصة تميّزه عن سواه من الشعراء. لا يستطيع هذا الشاعر أن يُبرّزَ هذه الخصوصيات وأن يتميز أو يتفوّقَ على أقرانه ومنافسيه إلاّ إذا مارس أقصى درجات الجسارة والجرأة والتحدي لأغلب ما هو مألوف. إتقاد جذوة الشاعرية الطبيعية في أعماق الشاعر، واللغة، والثقافة، فالجراءة… هذه، كما إخالُ، أهم عناصر الإبداع في شعر الشاعر. ثم إنَّ الشعراء أوزان، تماماً كالمصارعين والملاكمين وعدّائي المسافات المختلفة. فمنهم من هو خفيف الوزن وفيهم متوسطه أو ثقيله فضلاً عن سُلّم التدرج المعروف في عالم الرياضة كوزن الذبابة والريشة وخفيف الثقيل وما فوق الثقيل. وعليه فلا يمكن المقارنة بين الشعراء إلاّ إذا تماثلت أوزانهم وطبقاتهم.
أعود للقصيدة إياها التي إستفزتني بعنوانها – السؤال : من سيكون أنا ؟ لنقرأ معاً فقراتٍ منها كيما نتبين مواضع الإنقسام والإنفصام ثم لنحاول أن نفسّر هذه الظاهرة مستهدفين الولوج إلى دواخل الشاعر علّنا واجدين علّة هذا الإنفصام المتعمَّد، أو أن نضع أيدينا على دوافعه ومسبباته. سنشرّح معاً بضاعة الشاعر كما يشرِّح الطبيبُ الجرّاح جسداً حياً نابضاً بكافة عناصر الحياة : لقد وضع الشاعر بهذا السؤال عالمي الغيب والشهادة وجهاً لوجه. من سيكون يحمل معنى ودلالة الضمير الغائب ( هوَ )، بينما يحمل ضمير المتكلّم
( أنا ) دلالة الحاضر. عالمان متقابلان ومتضادّان : فالغائب ليس كالحاضر والغياب ليس كالحضور. فلماذا تعمّد الشاعر جمع هذين النقيضين معاً وما الذي ألجأه أن ينهجَ هذا النهج وأن يتّبِع هذا الأسلوب ؟ ما الذي يفيده من شطر ذاته إلى نصفين متساويين عددياً وتوزيعها ما بين شخصين ليسا متساويين ولا متناظرين ولا متكافئين. لا وجود لأحدهما إلاّ في ظلال الغيب المجهول والمتعدد الإحتمالات : هو !! من هو ؟ متى يأتي ؟ متى يتجسّد
أو يتشكل جسداً ذا كيانٍ وعَيان وإسم ولقبٍ وسِماتٍ بشرية مما نألف، وأبعاداً هندسية من طول وعرض. أما النصف الثاني فيمُثّلُ الشاعر نفسه إذ نراه أمامنا شاخصاً ناطقاً مع شيء من التحدي والثقة بالنفس : أنا. أنا هنا – كما أراها – تختلف جذرياً عن أنا الحجّاج بن يوسف الثقفي عندما خاطب أهل كوفة العراق مُهدّداً متوعداً قائلاً (( أنا ابنُ جلا وطلاّع الثنايا… متى أضعُ العَمامةَ تعرفوني )). قد تقترب من أنا أبي الطيب المتنبي حين قال في مجلس سيف الدولة الحمداني متحدياً خصومه من المتشاعرين والزعانف (( أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي… وأسمَعتْ كلماتي من بهِ صَمَمُ )). نعم، ( هو ) الشاعر ليست ( أناه… أنا ). الشاعر الغائب مجرد إحتمال قد يكون وقد لا يكون. محض إحتمالية هلامية متعددة الأوجه. أما ( أنا ) فإنها تنتصب أمام القاريء كلوح أو قالب من الكونكريت المُسلّح أو كنُصب من حجر الغرانيت الصُلْد كالذي نرى في العواصم والمدن. أعود بعد هذه السياحة المطوّلة لسؤالي السابق لأتساءل عن السر وراء هذه الظاهرة. هل يعاني الشاعر فعلاً من ظاهرة الإنقسام على الذات التي يسميّها أطباءُ الإختصاص ( الشيزوفرينيا ) ؟ هل ثَقُلَ الشاعر على نفسه جرّاء ما عانى وما قد تحمّل أثناء سنيِّ العذاب والحروب وربما الأسر ومن ثم مَرار ومغامرات إختراق الحدود الدولية طلباً لملجأٍ آمن له ولأطفاله ؟ أجد نفسي ميّالاً للأخذ بالفرض الثاني. فلقد وجدتُ الشاعر في الأغلب الأعم من أشعاره يتكلم عن هموم لا يُفصح عن تفصيلاتها. ولا أحسبه إلاّ معنيّاً بهموم البشر عامةً، لا هموم العراقيين حسبُ. همومه ليست قَبلية وليست وطنية ولا قومية ولا دينية – مذهبية، إنما هي أكبر وأوسع وأعمق وأعم، إنها الكل في الكل، إنها تتكلم عن هم_6م الإنسان الفرد والبشرية جمعاء. لذا فإني أراه يستحق وبجدارة أنْ يحمل إسم وسمات الشاعر الكوني.
ماذا قال أحمد الكعبي، بعد، في هذه القصيدة وسواها من شعر الإنفصام والتشظّي ؟ لنقرأْ معاً سطوراً من قصيدة ( من سيكون أنا ) :
تلك الوجوهُ معي
يتنفّسنا النهرُ عاصفةً
ينثرنا…
لصيدِ الخوفِ والغَرَقِ،
وننثرهُ كقُربانِ
أنا المأجورُ لقتلِ نفسهِ من يُدلي بموجةٍ ؟
من سيكون الدفّة ؟
لتبقى الرفّاتُ وحيدةً كما الرايةُ ونساءُ القبيلةِ من سيكون أنا لو توالت النَشَراتُ
لو لبسَ الصوتُ الصدى
وإمتثلَ العُريُ ليكونَ الحقيقةَ
من سيُحرّكُ التماثيلَ ليجلبَ الظلَّ ؟
كونوا هنا وأكونُ ظلَّ الخيبةِ
…
لا ضيرَ أنْ تكونَ الجنازةُ من الصُلبانِ والزنازين
أيُ غدٍ سيأتي غداً
النهرُ ذاتهُ تُزيحهُ الأشرعةُ،
ويُعطي القراصنةُ ذكرياتي الغريقة
…
كنَسرٍ أعمى أُزيحُ معسّكرَ الظنونِ
وأُعيرُ حُلُمي ثياباً لعيدٍ يرحلُ
مارستُ الوقوفَ أمامي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي |
السمات:كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج
























