غواية الكتابة / شراهة الرؤيا # علي حسن الفواز
كتبهاأحمد عبدالزهرة الكعبي ، في 23 أغسطس 2007 الساعة: 16:35 م
الشعراء لايرثون الوقائع ،ولايعيقوا حركة التاريخ ،لايطمئنوا الى شعرية المتحف !!انهم يكتبون خارج الوقائع تماما ، تتملكهم الغواية وشراهة الرؤيا ،،،وحدهم الشعراء الموتى يملكون المتحف والوقائع ،الشعراء الاحياء بمعنى كينونة الحياة يتراجعون الى الماضي او يصعدون الى الحاضر ،ينسفون كل العلاقات دونما احساس بالخطيئة !!كل هذا يجعلهم الاقرب الى كتابة ما يتشكل عبر مرقابهم السري او رؤيتهم الخادعة ،،لاشيء في اللغة الشعرية ساكن !! اذ لا وجود خارجها،،انها المتن والانطولوجيا والهامش الغاوي والباث اللامتناهي ،،والشكل الذي يجد نفسه امام ميل هو اكثر انجذابا الى لعبة العرض !!هذه الكتابة/ العرض هي لعبة الشعرية التي نحاول ان نتلمسها !!
في بعض قصائد الحافة ثمة ما يتورط في هذه الكتابة الغاوية ،،أي كتابة العرض التي تفترض احيانا ان في الشعرية نوعا من (الستربتيز) الصوري !!اذ تنزع القصيدة ثيابها الداخلية بقصدية العرض وليس بدافع استغوار رغبة المتلقي ،واعتقد ان البعض من هذه القصائد هي الاقرب الى شرط ما افترضه في هذه الشعرية ..
قصيدة الشاعر احمد عبد الزهرة الكعبي (كأنك لم تخلق) تستبطن العالم الجواني للخارج المخادع !!تمارس معه لعبة العري والانتهاك والاندحار !!تجذبه الى غواية العرض بنوع من الحث الابلاغي على الكشف العارم ،المتوحش ،اذ يسوغ علاقته مع الخارج على اساس ان هذا الخارج هو محض خطيئة!! انه علّة طاردة ،وان الشفرة اللغوية لاتملك الاّ ان تكون تعويذة مضادة تضبب فعل السحر..
المقطع الاول من القصيدة يجعل من صيغته الفعلية الآمرة تحريضا على ابتكار تناص مضاد مع الوصايا الساخطة !!اذ تأخذ الجملة المتوترة خاصية الموجّه لتفكيك الرسالة المفترضة الى مرسل او مرسلين يحدسون برمزية هذه الرسالة من خلال تأويل الوقائع دائما !او ربما شتمها ونفي ما تحوزه من وظائف وعلامات وقداسة وذاكرة وركام .
انتهزوا فرص الشتم..ال عيب موضة،وال خطأ تكرار الصواب
تنزهوا في ادمغتكم،،اخلعوا ما شئتم من وجوده
كن غبيا ولا تكن قديسا…القداسة تمنح الركام لقبا..
في المقاطع الاخرى تستثمر القصيدة لعبة العرض /الكشف/ التعرية لصناعة توليدات باثة تتقوض في سياقها المضطرب سمات الزمن والدلالات بما يشبه الفوضى ،،وكأن الشاعر يحاول انتهاك كل المواضعات التي يألفها الخارج/الوجود لاصطناع كتابة تنتمي الى مزاجه الحاد والساخط ،، يؤطرها بقناعه الذي يجد عبره الخارج مشوبا بالخديعة والمأسآة والعدم والاضمار ،حيث يقترح له تآليف استعارية حادة وتعويضية تستخدم لغة ضاغطة يتشابك فيها الحركة والانقطاع مع الفراغ الذي يبدو مؤسطرا في عدميته التي لاتستعيد الوقائع لكن تطردها او تقصرها عبر سيل من الصور الفاجعة..
ألف قميصا ل سفن لاتأتي
ارتفع مع نهر صدى ك الموج
أملا كؤوسا لاتفرغ
بعد غرق مبهم
وشاية
وجيوب
وطنيات فارغة
اعلن للدهشة وفاة الصبية…………….
الشاعر احمد عبد الزهرة يجعل من اناه الرائية تلك محورا مركزيا لفعل الرؤيا العميقة التي تكشف توليدات الصور الفاجعة ،،اذ تتلبس هذه الانا قوة الصوت وقوة الصدى ، وقوة السؤال الفلسفي والوجودي ،لانها تريد ان تكون الشاهدة التي تتلمس جوهر الفراغ الضاج بالكثير من الاستعادات الاستعارية مثلما تريد ان تستعيد عبر اللغة /العرض فعل الرؤيا (صناعة الاسئلة )باعتباره فعلا صوريا يشىء بالفاجعة الموحية بالعدم دائما .
هل انت موجود؟
لا ايتها الاسئلة
في قصيدة الشاعرة نوارة لحرش (انكسارات) نجد ان حساسيتها المفرطة ازاء الخارج ووقائع الغياب التي تستحضرها !! هي الموجّه الذي تتلمس من خلاله صياغة قلقها واسئلتها ، اذ تكشف الشاعرة عن لحطتها الفارقة (مذ هوت العصافير من مواويلي ) عن انكسارها وسيولة اسرارها عبر استخدام وظائف استعارية صورية وتركيبية متوالية استبطنت فيها وجدانها المسحوب الى الداخل الرغبوي ، المفجوع بالعزلة والخيبة والحزن ،،والتي جعلت القصيدة امام انثيالات بصرية تحيل الى ماهو حسي وايروسي والى شعرية يومية حافلة بالتفاصيل،مكبلة في جوهرها بالتنفيس عن رغبات مكبوته في الوعي والجسد، واعتقد ان الشاعرة وضعت الموجّه الخارجي لاصطناع طقس ايهامي يجعلها مرهونة بالكشف عن ازمة داخلية يتماهى فيها الاحساس بالغياب مع الاحساس باللذة التي تشيء بها كهاجس يؤجج لعبة الافصاح والكتابة ،اذ تصنع لها نصا موازيا (نص داخلي) يحدد شفرة ندائها وحدسها واحساسها بالعزلة والمحو .
مذ ذرفتني الغيوم المتكئة على غربتها
دحرجني الوقت الى سدرة المتاهات
شهر برده
قشرّ لي فاكهة اللاجدوى
فاكهة اللاامان
واشعل في حضرة قشعريرتي
موقد الذكريات
ان قصيدة نوارة لحرش تكشف عن رغبة عارمة بالحياة رغم هذه اللغة السوداوية ،وان طقسها في كتابة سايكولوجيا طردها الانثوي (التاريخي والجسدي ) هو تحريض للايغال في انوثة عوالمها وخارجها وصوتها واحتجاجها على عالم ينظر اليها على انها دخيلة ومتوجة بالطعنات ،ولاشك ان هذه الكتابة الفاقدة لطعم الاحساس بالحرية ،تعكس وعيا اشكاليا وربما مازوخيا في التماهي مع لذة الاخر الذكورية والذوبان في طقوسه والتوسل بكيونته لكي تظل هذه الانثى هي الشهيدة الشاهدة على محنة الخارج وشراهته وافتراسه وعنفه واستمرائه لذة ما تصنعه القوة وترميزاتها الاستعلائية..
يا الدخيلة على الحياة
يا المتوجة بالطعنات
هل ستسأل عنك العصافير
التي تشتهي البياض في المسافات
والمواويل التي تقطر من حنجرة النبض
ومن حنجرة النهار الذي
ترك سهوا ملامحه
على اهداب الليل الضرير…
وقصيدة الشاعر جمال حافظ واعي (مايزال السؤال قائما) التي ترسم صورها عبر توقيعات شعرية تباغتنا فجأة في استهلالها (والاّ ….) كايهام تفترضه الكتابة الحداثوية في التخلي عن البدايات المصنوعة !!! القصيدة تضع العنوان موجها رئسيا بصيغة السؤال الذي يفترض وجود اشارات وقرائنها ،حيث تأخذ البنية السؤالية دورالنسق الذي يدفع للتلقي والاثارة والبث !! هذا الدور يثير فينا الرغبة لوضع هذه البنية السؤالية في اطار تأكيدي لدور الشاعر/صانع الوصايا الذي يجعل من قصيدته بمثابة الموجّه العام الذي يكوّن الدلالات ويختار لها السياق والاحالات …
القصيدة تبدأ بالصيغة الانكارية المهددة !!التي تفترض محو ما تقدم !لكنها تدعو الى شروط اخرى يضعها الشاعر في سياقه /صياغته /رؤيته ،اذ تتضمن هذه المكونات دورا استباقيا للشاعر في الاحتفاظ بسر القوة والحكمة !!
النسق النثري المكثف في القصيدة يماثل خاصية المحمول الذي تجلو عنه ،فهي قابلة للتأويل رغم حيازتها على معنى اولي،معنى طارد ومهيمن (ما معنى ما تقدم)،اذ تستند القصيدة الى علاقات داخلية تعيد تشكلها مع تعدد القراءات ،أي انها تخضع لنزعة حلولية صوفية يكون الاجهار فيها عن الكتمان هو القياس بتغاير الزمن وتغاير ما يفترضه من دلالات واسرار ورؤى حدسية نافذة الى جوهر المشاهدة حيث يحقق الشاعر عبر هذا الجوهر انكشافه وتشظيه بين ( هو وانت ) اذ تكون هذه الدالة الاشارية هي المجس الرمزي الذي يلامس روح الشاعر وهي تغور في روحانيتها ونزعتها التساؤلية..
انت سابق لشروطك
واوانك لاحق بها
لكن الذي يليك شرط يسبقك
**
لم يكن بيانه عتقا لك
ذلك الذي تقدم
فلماذا ترابط حوله؟
ان سياق القصيدة هو سياق تبادلي بين الهو الغائب والانت الحاضر ،وهذا السياق يؤكد ايضا النزعة الحلولية التي اراد من خلالها الشاعر ان يكشف عن توضيح القصد ،واعطاء اللغة نزعة الخطاب الفابل للتراسل والتأثير ونصب المتعة واعطاء الشاعر صفات الكينوني المتعالي الذي يظفر بالمعرفة ويحوز على الرؤيا واستدلال الاسرار.لقد تمكن الشاعر جمال حافظ من التوفر على امكانية بناء نص حافل بالدلالات والاثارة والمرونة التي جعلته يكتب بنوع من السيولة التي تنتهى الى استغوار لانهائية المعنى واحضار تأويله المكشوف على لعبة الاسئلة المريبة مثلما هو المكشوف على استحضار صفات الوقائع(صافرات الانذار) التي تفقد معناها البافلوفي القديم مقابل حضور معنى غائم يحيل الى موت الاشياء وحلولها في الغياب ..
صافرات الانذار
يصفر فيها الخائفون
هل ثمة جدوى للصفير
بعد الان ؟
في قصيدة الشاعر سعد جاسم (ارميك كبذرة واهطل عليك)تبرز شعرية الافهام باعتبارها المرسلة التي ارادها الشاعر ان تكون دالته في الانكشاف على فعل اللذة /خلقها عبر توظيف دالة الماء وتسميته باعتباره جوهر الخلق بدءا من العنونة وتشابكهما الفعلي (ارميك/ اهطل عليك) ولاشك ان الشاعر سعد جاسم صانع الصور المكثفة هو اكثر شعرائنا الشباب استدعاء للاشتغال على هذه التوليفة ،تبدأ القصيدة باشارة توكيد وحضور (انه الغياب) وهذه الاشارة تتحول الى جسد باث غاوي يستدرج رؤى الشعر ولغته الى توصيفات وتفاصيل هي جزء من لعبة الخلق ذاتها/اقصد لعبة صناعة اللذة وضخها بالاستعارات الصورية التي تقوّض الاستجابة البسيطة الى نوع من التأمل /صياغة وقطع بنيوي محكوم بعلاقات في المعنى والدلالة لكنه محكوم بصيغة رأسية تماثل فعل اللذة ذاته الصعود والنزول /احلق لاصل اليك //ثنائية الفرات والارض وهي محمول جنسي حيث تجد الانثى صفة حلولية بين الصعود والنزول/التبادل والتكامل
لا ادري هل اخاف عليك من الفرات
ام اخاف منك عليه
لانك نافرة
وعاصفة
وشاسعة وطيبة
كما امك الارض
ويمكنك ان تعشقيه
او يمكنك ان تغرقيه
هناك…ابعد من اصابعي
ان قصيدة سعد جاسم هي قصيدة كشف واستحضار الرمز الهارب المحتجب بالغياب، والذي يستحضره الشاعر قناعا لاستدعاء الجسد /المكان/ الماء/المحبوب، وتستحضره الرؤيا لغة تضيق بالفراغ وتمتلا باحالاته التي لاتنضب ، بدلالة ان فراغه هو صنو غيابه ،وانه الذي يجعله امام لعبة استحضار وخلق وتوليف يتماهى فيها الشاعر مع رغبة الاشباع والتعويض والحضور الخاضع الى شرط التواصل والتبادل والاخصاب (اهطل عليك)
النصوص
- كأنك لم تـُخـلـَـق !! : أحمد عبدالزهرة الكعبي
- انـكسارات : نـوارة لـحـرش
- مايزال السؤال قائما : جمال حافظ واعي
- أرميكِ كبذرةٍ وأهطلُ عليكِ.. : سعد جاسم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي | السمات:كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























