أبطال مُعدمون في قصائد موشومة بالحزن العراقي
كتبهاأحمد عبدالزهرة الكعبي ، في 21 تشرين الأول 2007 الساعة: 09:43 ص
أبطال مُعدمون في قصائد موشومة بالحزن العراقي
سـَفـرٌ في (( وشم عقارب ))
ورود الموسوي في مجموعتها الأولى
أحمد عبد الزهرة الكعبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وشم عقارب
ورود الموسوي
دار الفارابي - بيروت – لبنان
المطر الصاعد فوق غماماتي
يعلن أن السحب امتلأت
وتراقصت النجمات على هوس الليل
ولألأن على قمة روحي كصراخ الذات
حين يبث الشاعر قصائده الأولى على شكل وجع يكون مطالبا بأن يقدم حقيقته الأولى .
الشعر العراقي كان ولا يزال المدون الأوحد للمشاهد المؤلمة أعلى خريطة الإنتماء ؛ العراق الذي يدور حول رفات الفرح منذ قرون مذ جيوش الشام التي حلت ضيفة على دمائنا حين قرر أوباش يزيد بن معاوية البدء في مسيرة الحز ، منذ ان تقطعت بنا السبل وأصبحنا على مشارف الضياع الدائم والعراق لايضيع . رحلة غرائبية تبحث في مرحلة ذات ثلاثة عقود عراقية تجد فيها الوطن والمواطن دون أسماء فكلهم يقبعون تحت روح الشاعرة التي راهنت على الخروج بهذه الحلة دون أن تحذف حرفاً من إعترافاتها .
يتنفسون أوجاعها ؛ تتعامل مع الشخوص كأمٍ تنهرهم حين تغضب ؛ وتبكي لفراقهم كلما جن الليل ؛ الحزن العراقي القريب من نهر الفرات وماله من وجود في الجسد العراقي وعند الشاعرة البابلية التي تهمش من تريد حتى ذاتها في سبيل أن تكشف عن تلك الأزمنة وتوجه أصابع الاتهام حتى للقارئ .
المجموعة لا تكترث بالاسماء والشخوص وتعتمد على الواقع بانه الارشيف الغض القادر على توصيل المعنى دون الاتكاء على الرمز والاسطورة وهذه حقيقة كبيرة فالواقع العراقي لايحتاج الى دلائل كبيرة تشير الى آلامه ولايحتاج الى مصادر حتى تثبت حضارة التيه والعدم والجمال .
من هنا تنطلق المجموعة لتشير إلى ذلك الهاجس الذي يحمله العراقي أينما حل وأينما وقفت به أقدامه فهو يضيف عراقيته للمكان الذي يتربعه حتى وان كان هذا المكان مجموعة شعرية يحاول فيها تقديم فنه للشارع .
لم ترتبك حين أصرت على عدم استخدام الاغراض الشائعة والتي يستخدمها الكثير من شعراء وشاعرات النثر حين انهالوا على الجسد واكثروا من استخدامه في عملية مكررة وضعت الشعر العربي في مأزق وجودي وأخلاقي حيث راحت الشاعرة تستخدم كل ماتستطيع توظيفه شعريا في خدمة الشعر وهو امر يحتاج التأمل والكثير من التفكير فكيف استطاعت الشاعرة أن تتجاوز معظم التجارب التي سبقتها من خلال مجموعة تضم عشرين قصيدة ؟ مطالعة وافية وصادقة للمجموعة التي تؤمن بمنهج جاد لتوصيل أدبها بل وتؤمن في قدرتها على تقديم المختلف .
الشعر أمام الواقع
ــــــــــــــــــــ
بلاد الموسوي تخرج من حدودها لتضم كل مدن الحزن في البقاع تتجول بين الجثامين والمعتقلات والدموع التي لايمكن نسبتها لشخص معين .
والانطلاق بهذا الشكل يجعلنا أمام تساؤل آخر لماذا لم تظهر الشاعرة انتماءً حالها حال مجايليها بل لماذا لم تُظهر أبياتها الصبغة التي تنتمي اليها .. الواقع المعروف عن الشعر العراقي بصورة عامة إنه ينسلخ عن أنانية الشـاعر وميوله حين ينسج أهدافه في سبيل نتائج أدبية تميزه عن أقرانه .
فكيف لو كان الشاعر يروم وطنه لقد كانت على حق حين أخفت ميولها الشخصية وانتماءً يستقتل البعض في إظهاره فقد يكون التأثير الذي تريده ليس بالشكل الحالي .
منذ ثلاث صرخات فقط
دخلت المدينة سباتها الأبدي
في الصرخة الأولى مات الأطفال والعراة الذين
ناموا عند بوابتها الشرقية
قبل مجئ الحلم
كانت العصافير تحلم بسماء بلا ادخنة
الشعر أمام الذات
ــــــــــ
حاولت الشاعرة ان تقحمنا في مناخاتها من خلال عدة منافذ يمكن إيجازها
أولا :
النص الذاتي الذي تنشطر فيه إلى عدة شخوص لتنثر ركاماتها كما تريد هي لا كما يتوقع القارئ , وبشكل متناغم خالي من الارتباكات التي يقع فيها الشعراء حين ينتقلوا من جملة شعرية إلى أخرى. الشعر عندها هم إنساني تضع فيه المشهد كاملا خاليا من حكمها الفردي مؤمنة بذلك الطريق للمخيلة لـ تنهل من الصور الموضوعة بتأني كي تسترسل في تجميع تصوراتها والهدف الأسمى الذي تطالب به الشاعرة .
بلا رحمة تنهشني قطرات المطر
مثل ذباب يزف لوليمة دم
يسخرون كل شروق من ظهري
المحدودب الأجرب
نسوا أن لوني مصبوع كوجوههم
وأني امتداد لون السماء
ثانيا:
تطالب بترسيخ المفهوم الشعري العراقي الحديث بعيدا عن المناخات التي تأثر بها الشعر نفسه , فهي تطرح الصورة الشعرية بشكل أقرب إلى ذائقتها وليس في ذلك استعلاء على المتلقي بقدر ماهو بعثرة في التفاعلات التي من حق الشاعر أن يضيف لها مركباته النفسية والذهنية . فهي لاتبالغ فقط في طرق الأبواب ذاتها مبتعدة عن الارتباك الذي قد يصيب البيت الشعري بل راحت تنجز صورا ذهنية خالصة مفادها إن الشعر العراقي يتملص بل ويخرج من أبوة الشعر العربي له ليبقى متفردا بذاته .
خلعتُ عن وجهي الطفولة باكرا
أوصدتُ عني كل ابواب الفرح
حين لذت بالغياب الطويل
تعلمت أن لا أب تدخرهُ أيامي
وأن الأبوة محض غيب يرزقه ألله
للبعض
ويمسكه عن الاخرين
ثالثا : النظرة الفلسفية
تزرع وجهة نظرها بما يتقاطع مع الآخر بمنتهى اللياقة الأدبية حين تتوجه بكامل إرادتها لنزع الثوابت الوجودية فارضة رؤيتها الأنثوي المحلية لتكون لبنة لقاعدة أوسع وأشمل . المتتبع لمجموعتها يحس بأنه يتجول في غياهب روحية معقدة تحاول هي جاهدة أن تسورها بالجمال الذي تملكه كشاعرة . فالشاعر المثقف يتيح للقارئ متعة التجول دون شعور في أبياته حين يوظف هذه الصفة داخل عوالم مختنقة . فهي توصل المتابع إلى بر الشعر بمعايير ذهنية نابعة من صميم المجتمع الذي غادرته ولازالت جذورها في طينه .
رسم لوحة تشبه الموت
ووقع تحتها :
هي الحياة …
مناخات وشم عقارب
ــــــــــــ
العثور هنا على الإشارات البارزة ليس بالأمر العسير فالمجموعة كتبت لتغازل وطنا يقتله أعدائه وأبنائه .. حتى تتدرج لعرض ذاتها من خلال شعر يشبه السيرة الذاتية ومنه تنشطر إلى مجموعات مسحوقة تحاول الحصول على أوكسجين البقاء لهم أو الحفاظ على إكسير الحياة الذي حاولت ذئاب الحقب السابقة محوها بشكل تام لولا رؤية الشعب الذي تنقل على صفحات المجموعة وكأنه منحوت على جدراية حرفية كبيرة . تنوعت شخصيات المجموعة من خلال بناء شعري غير مرتبك فأنت لاترتبك حين تريد تشخيص ملامح شخوصها الانفراديين حاملين علم البقاء والأمل ؛ فالشعر العراقي ومنذ مراحل خطيرة مرت بالشعب العراقي حاول التملص من عنجهية الصورة التقليدية التي حاول البعض على جعلها الدستور الدائم لوجود الشعـر فبعد ثورة السياب التي نقلت الشعر العربي من مرحلة الضمور إلى واقع النهوض برفقة محاولات بدائية لقصيدة النثر عربيا كان الشاعر العراقي يجد ويجتهد في سبيل الحصول على شكل نهائي للكتابة المنفردة التي تميزه بشكل لافت عن أقرانه . وبرفقة الأحداث المميتة التي حاولت فيها السلطة آنذاك كانت تنمو في أحشاء هذه الأمة الكبيرة براعم فذة حملت هموم الأدبين العراقي والعربي على عاتقها وراحت تنجز أجمل الصور الشعرية بعيدة عن الرقابة الحكومية والرقابة النقدية التي تهدف إلى تقليص الإبداع بشكل وبآخر . ماحدث في وشم عقارب إن الشاعرة تقلق القارئ وتستفزه كي يسأل لا كي يقرأ فقط ولقد لفت انتباهي أمر يستحق الإشارة ألا وهو عدم رجوعها إلى الاسطورة وكأنها تقول ها أنا هنا لاأتعكز إلا على الحاضر ولا أريد الهروب إلى الرمز ولاأزج من يقلب كتابي إلى متاهات يستغلها البعض من أجل استعراضه الثقافي لاأكثر فهي تكتب الشعر للشعر كما فعل أصحاب القصائد الخالدة حين بصموا على قصائدهم بالواقع الذي ينتموا إليه . فهي تقدم المعدمين على انهم أبطال الحياة وليس بالضرورة أن يتحول المعدم إلى شخصية خرافية تنجز الوعد وتحقق الأمل البطل لدى الشاعرة قد يكون طائرا أو المطر وتركيزها على المطر قد يكون من شعر السياب الذي تختص به علميا وهو مجرد رأي قد يقلقها نوعا ما
احتفالها بالموتى والجائعين ماهو إلا إشارة فاضحة إلى عصر يتآكل بشكل مهين ويموت فيه الناس بالمجان .
أتحسس ظلمة قبري الآن
أصابع تمتد إلي تصافحني
أهلا
فالمقبرة ازدانت بالورد وبالعطر
جوانب مهمة في غاية المجموعة
::::::
لدى الشاعرة القدرة على جذب الانتباه لنصوصها ولـ مآربهاالتي تتقصدها كـ إنسانة وشاعرة وعراقية , كان هناك رسم وتنوع موضوعي في المجموعة فقد بوبت قصائدها بين الموزون المتمثل بقصيدة التفعيلة إلى جانب قصيدة النثر على الشكل الآتي ثلاثة أبواب
وكل باب ينتهي بقصيدة موزونة والابواب على النسيقة الآتية :
الى باب الروح تسعى
عابرون والمدن خرائط
الى الرحيل تسعى
من حق الشاعر أن يفرض على القارئ النهج الذي يريده فهو يريد أن ينشر ثقافة وفكر معين وفق المنهج الذي يراه هو فقد يكون هناك لبس على المتلقي حين تكون المجموعة قصيرة وتضم الكثير من التنويعات فالشاعرة تعتز بثقافتها وأرادت أن تكون المجموعة سفرا أدبيا خالصا يضم شكلها هي وروحية أبطالها المعدمين . تسيطر ورود على روح نصها وتفكك أفكارها حين تجتهد في إضافة مشهد معين إلى الصورة الحالية فهي تؤمن بالفن وقدرته على المعالجة . إنكسار الشاعر يمكن أن يبرز في جملة مبتورة أو حين يضغط على قلمه ليظهر إرتباك المعاني جملة فالشعر لايبحث في القضايا الكبرى ليعالجها كما الحال في الرواية أو القصة القصيرة بقدر مايعتمد على جذب الرؤية من مكان ونقلها بسرقة فنتازية إلى مكان التشريح ألا وهو النص الشعري أو المكان الملقى فيه الشعر وفي الغالب على ورقة الديوان الشعري.
ماحدث للكثير من شعراء هذا العصر أنهم تخلوا عن الذات بعينها وراحوا ينسجون أرواح الأمكنة والسؤال إن كان المكان هو العراق فكيف ستكون الذات ؟ قد يتهم شعراء العراق بأنهم عبارة عن ناسخي للالم وناقلي للصورة ذاتها وهذا ليس بالعيب الكبير في شاعريتهم إن أحسنوا الصورة وتفوقوا على أناينةالشعر والشاعر حين يتغزل بشئ غير المعتاد عليه . أرادت الشاعرة أن تبرز في مجموعتها الشعرية الأولى الكثير من القضايا وهواجس الإنسان والجميل في المجموعة إنها لم تلتفت إلى نوع الجنس (( المذكر والأنثى )) كثيرا وهو بحد ذاته إنجاز فقد اتسمت مجاميع النساء العرب بكثرة تطرقها الى مواضيع المواساة والظلم الذي تتعرض له المرأة بل ابتدأت من حيث انتهن وراحت تسبح ضد التيار تارة ومعه تارة أخرى فالموضوع الذي تحمله أخضر وفيه من البراعم مايكفي لشتاء الطرح . إن تجارب قصيدة النثر لازالت تعاني من الاهمال ومادام هناك محاولات جادة للخروج حتى من تجارب شعراء قصيدة النثر الأوائل فالمستقبل الشعري بخير لأن الكتابة المخلصة هي التي تفرض حالها على الواقع المعاش الذي يجد روحه بين دفاتها وبين أروقتها وبما إننا نحصل على نتاجات تتسم بروحية البقاء والمطاولة فلا زلنا نعبد الطريق للقادمين ليقولوا هكذا جاهد أبناء قصيدة النثر ولم يتنازلوا عن أحقيتهم في رفع أبياتهم ((الشعرنثرية )) في وجه زمن لم يعد يهمه أمر الأثافي وبعر الأرام والطلليات ويطالبهم بالبقاء تحت خيام التيه العربي الموحش تحت درجة حرارة تقدر ب 60 درجة في الظل .
تقول ورود ومسكها ختام
وأين صوتي في بقايا ذاكرتهم ؟
أيسمعون صوتي يخترق طبلة الملل هناك ؟
أم يكتفون بالتلويح للمثرثرين فوق أشلائهم .. !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات | السمات:دراسات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























