الموت والانبعاث تحت سلطة الأب ورود الموسوي

أغسطس 23rd, 2007 كتبها أحمد عبدالزهرة الكعبي نشر في , كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي

الثقافة العراقية التي تعرضت للهدم والقطع والبتر اعواماً طويلة  بل ان ما  تعرضت له الثقافة العراقية من تشويه وبتر لم تتعرض له أية ثقافة اخرى بالعالم. وهذا بلا شك ينتج عنه تجارب عديدة , مختلفة باختلاف طبيعة الشاعر ومدى تأثره بما حوله.

ولأن هذا العرض المختصر لا يناقش الظاهره كظاهرة بل هو يشير اليها وعل في بحث اشمل تفصيل

المزيد


غواية الكتابة / شراهة الرؤيا # علي حسن الفواز

أغسطس 23rd, 2007 كتبها أحمد عبدالزهرة الكعبي نشر في , كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي

غواية الكتابة / شراهة الرؤيا
14/01/2007
  

 

الشعراء لايرثون الوقائع ،ولايعيقوا حركة التاريخ ،لايطمئنوا الى شعرية المتحف !!انهم يكتبون خارج الوقائع تماما ، تتملكهم الغواية وشراهة الرؤيا ،،،وحدهم الشعراء الموتى يملكون المتحف والوقائع ،الشعراء الاحياء بمعنى كينونة الحياة يتراجعون الى الماضي او يصعدون الى الحاضر ،ينسفون كل العلاقات دونما احساس بالخطيئة !!كل هذا يجعلهم الاقرب الى كتابة ما يتشكل عبر مرقابهم السري او رؤيتهم الخادعة ،،لاشيء في اللغة الشعرية ساكن !! اذ لا وجود خارجها،،انها المتن والانطولوجيا والهامش الغاوي والباث اللامتناهي ،،والشكل الذي يجد نفسه امام ميل هو اكثر انجذابا الى لعبة العرض !!هذه الكتابة/ العرض هي لعبة الشعرية التي نحاول ان نتلمسها !!
في بعض قصائد الحافة ثمة ما يتورط في هذه الكتابة الغاوية ،،أي كتابة العرض التي تفترض احيانا ان في الشعرية نوعا من (الستربتيز) الصوري !!اذ تنزع القصيدة ثيابها الداخلية بقصدية العرض وليس بدافع استغوار  رغبة المتلقي ،واعتقد ان البعض من هذه القصائد  هي الاقرب الى شرط  ما افترضه في هذه  الشعرية ..
قصيدة الشاعر احمد عبد الزهرة الكعبي (كأنك لم تخلق) تستبطن العالم الجواني للخارج المخادع !!تمارس معه لعبة العري والانتهاك والاندحار !!تجذبه الى غواية العرض بنوع من الحث الابلاغي  على الكشف العارم ،المتوحش ،اذ يسوغ علاقته مع الخارج على اساس ان هذا الخارج هو محض خطيئة!! انه علّة طاردة ،وان الشفرة اللغوية لاتملك الاّ ان تكون تعويذة مضادة تضبب فعل السحر..
المقطع الاول من القصيدة يجعل من صيغته الفعلية الآمرة تحريضا على ابتكار تناص مضاد مع الوصايا  الساخطة !!اذ تأخذ الجملة المتوترة خاصية الموجّه لتفكيك الرسالة المفترضة الى مرسل  او مرسلين يحدسون  برمزية هذه الرسالة من خلال تأويل الوقائع دائما !او ربما شتمها ونفي ما تحوزه من وظائف وعلامات وقداسة  وذاكرة وركام .

    انتهزوا فرص الشتم..ال عيب موضة،وال خطأ تكرار الصواب
     تنزهوا في ادمغتكم،،اخلعوا ما شئتم من وجوده
    كن غبيا ولا تكن قديسا…القداسة تمنح الركام لقبا..
في المقاطع الاخرى تستثمر القصيدة لعبة العرض /الكشف/ التعرية لصناعة توليدات باثة تتقوض في سياقها المضطرب سمات الزمن والدلالات بما يشبه الفوضى ،،وكأن الشاعر يحاول انتهاك كل المواضعات التي يألفها الخارج/الوجود  لاصطناع كتابة تنتمي الى مزاجه الحاد والساخط ،، يؤطرها بقناعه الذي يجد عبره  الخارج مشوبا بالخديعة والمأسآة والعدم والاضمار ،حيث  يقترح له تآليف استعارية حادة وتعويضية تستخدم لغة ضاغطة  يتشابك فيها الحركة والانقطاع مع الفراغ الذي يبدو مؤسطرا في عدميته التي لاتستعيد الوقائع  لكن تطردها او تقصرها عبر سيل من الصور الفاجعة..

  ألف قميصا ل سفن لاتأتي
   ارتفع مع نهر صدى ك الموج
    أملا كؤوسا لاتفرغ
    بعد غرق مبهم
    وشاية
    وجيوب
    وطنيات فارغة
    اعلن للدهشة وفاة الصبية…………….
الشاعر احمد عبد الزهرة يجعل من اناه الرائية تلك  محورا مركزيا لفعل الرؤيا العميقة  التي تكشف توليدات الصور الفاجعة ،،اذ تتلبس هذه الانا قوة الصوت وقوة الصدى ، وقوة السؤال الفلسفي والوجودي ،لانها تريد ان تكون الشاهدة التي تتلمس جوهر  الفراغ  الضاج بالكثير من الاستعادات الاستعارية مثلما تريد ان  تستعيد عبر اللغة /العرض فعل الرؤيا (صناعة الاسئلة )باعتباره فعلا صوريا يشىء بالفاجعة الموحية  بالعدم دائما .

  هل انت موجود؟
   لا ايتها الاسئلة

في قصيدة الشاعرة نوارة لحرش (انكسارات) نجد ان حساسيتها المفرطة  ازاء الخارج ووقائع الغياب التي تستحضرها !! هي  الموجّه الذي  تتلمس  من خلاله  صياغة قلقها واسئلتها ، اذ تكشف الشاعرة عن لحطتها الفارقة (مذ هوت العصافير من مواويلي ) عن انكسارها وسيولة   اسرارها  عبر استخدام  وظائف استعارية  صورية وتركيبية متوالية  استبطنت فيها وجدانها   المسحوب الى الداخل الرغبوي ، المفجوع بالعزلة والخيبة  والحزن ،،والتي جعلت القصيدة امام انثيالات  بصرية تحيل الى ماهو حسي وايروسي والى شعرية يومية حافلة بالتفاصيل،مكبلة في جوهرها  بالتنفيس عن رغبات مكبوته في الوعي والجسد، واعتقد ان الشاعرة وضعت الموجّه الخارجي لاصطناع طقس  ايهامي يجعلها مرهونة بالكشف عن ازمة داخلية يتماهى فيها الاحساس بالغياب مع الاحساس باللذة التي تشيء بها كهاجس يؤجج لعبة الافصاح والكتابة ،اذ تصنع لها نصا موازيا (نص داخلي)  يحدد شفرة ندائها وحدسها واحساسها بالعزلة والمحو .

                    مذ ذرفتني الغيوم المتكئة على غربتها
                    دحرجني الوقت الى سدرة المتاهات
                     شهر برده
                     قشرّ لي فاكهة اللاجدوى
                     فاكهة اللاامان
                     واشعل في حضرة قشعريرتي
                        موقد الذكريات

ان قصيدة نوارة لحرش  تكشف عن رغبة عارمة بالحياة رغم  هذه اللغة السوداوية ،وان طقسها في كتابة سايكولوجيا  طردها  الانثوي (التاريخي والجسدي ) هو تحريض للايغال في انوثة عوالمها وخارجها وصوتها واحتجاجها على عالم ينظر اليها على انها دخيلة ومتوجة بالطعنات ،ولاشك ان هذه الكتابة الفاقدة لطعم الاحساس بالحرية ،تعكس وعيا اشكاليا وربما مازوخيا في التماهي مع لذة الاخر الذكورية والذوبان في طقوسه والتوسل بكيونته لكي تظل هذه الانثى هي الشهيدة الشاهدة على محنة الخارج وشراهته وافتراسه  وعنفه واستمرائه لذة ما تصنعه القوة وترميزاتها الاستعلائية..

                      يا الدخيلة على الحياة
                      يا المتوجة بالطعنات
                     هل ستسأل عنك العصافير
                     التي تشتهي البياض في المسافات
                     والمواويل التي تقطر من حنجرة النبض
                     ومن حنجرة النهار الذي
                     ترك سهوا ملامحه
                      على اهداب الليل الضرير…

وقصيدة الشاعر جمال حافظ واعي (مايزال السؤال قائما) التي ترسم صورها عبر توقيعات شعرية تباغتنا فجأة في استهلالها (والاّ ….) كايهام تفترضه الكتابة الحداثوية  في التخلي عن البدايات المصنوعة !!! القصيدة تضع العنوان موجها رئسيا بصيغة السؤال الذي يفترض وجود اشارات وقرائنها ،حيث تأخذ البنية السؤالية دورالنسق الذي يدفع للتلقي والاثارة والبث !! هذا الدور يثير فينا الرغبة لوضع هذه البنية السؤالية في اطار تأكيدي لدور الشاعر/صانع الوصايا الذي يجعل من قصيدته بمثابة الموجّه العام الذي يكوّن الدلالات ويختار لها السياق وال


المزيد


منى كريم ملف الشعر العراقي المغترب

شباط 13th, 2006 كتبها أحمد عبدالزهرة الكعبي نشر في , كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي

منى كريم  ملف الشعر العراقي المغترب

لكن الشاعر أحمد عبد الزهرة الكعبي يفضل أن يطرح رؤيته الشعرية بشكل آخر. حيث يتكئ على نقطة فردية مشحونة بإحساس " المرآة وصورها " قريبة من كينونته التي كما يبدو لا تحب الأسئلة المستعصية بل تؤثثها برغبة جمالية وتطرحها بشكل صوفي في رؤيته ومجرد من البلاغة في لغته. هذه الرؤية الصوفية والطفولية في آنٍ واحد للأشياء تتحرك بفعل يتجه نحو إعادة توازن أو صيغة جديدة مع ما يواجهه. الشاعر يسعى لعالم لا يُرى بتعاويذ وألوان بل يسمح لنفسه بأن يتمرد على هذه الضوابط بفرح حتى يخلق لروحه حالة احتفاء فيما يتلمسه سواء على المستويين الملموس أم المُتخيل. وتحليق الكعبي لا يقف في دائرة معينة، إنما يحرص على أن يكون تحليقاً ينفي نظرة اللامبالاة أو التجاهل. في قصيدة " ليس من عادتي " يتمترس الشاعر لارتكاب ما وصفه خوان ميرو ذات مرة " إنني أكاد لا أفرق بين الشعر والتصوير " ولكن ع

المزيد


د.عدنان الظاهر ديوان شعر للشاعر أحمد عبد الزهرة الكعبي

شباط 13th, 2006 كتبها أحمد عبدالزهرة الكعبي نشر في , كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي

 

ديوان شعر للشاعر أحمد عبد الزهرة الكعبي

ألطبعة الأولى، أيلول 2004 . الناشر : الحضارة للنشر. القاهرة

 

 

أحمد الكعبي شاعر آخر من شعراء قصيدة النثر الشباب. عراقي المولد ألماني الإقامة. لفت نظري قبل كل شيء أسلوبه الخاص في إختيار عناوين قصائده. فلكل عنوان نكهة خاصة ومزاج خاص. ووراء كل عنوان رمز خاص أو عدّة رموز يُفصح الشاعر عنها خلال سرد عناصر القصيدة. ولكن حذارِ : ما تقوله الكلمات شيء وما يريد أن يقوله الشاعر شيء آخر. فشعره على وجه العموم شعر قريب جدّاً من الشعر السوريالي. وإنَّ الشاعر لقدير ومتمكن من أدواته وأساليبه. ثمّة أمر آخر شدّني بقوة إلى شخصية هذا الرجل : إنه يتحرك كصخرة بازلت هائلة لا يؤثر فيها مطر ولا برق ولا رعود. إنه من نسيج خاص من الرجال، يتقبل أقداره باسماً. يؤخذ إلى العسكرية وسوح القتال فلا يبالي ولا يُقيمُ وزناً لإحتمال الموت. كأنَّ شعاره ( ومن لم يَمُت بالسيف مات بغيره…). هل معنى هذا أنَّ الشاعر – الإنسان لا يساهم في صنع بعض أقداره ؟ الجواب بلى. إنه على سبيل المثال هرب من الخدمة العسكرية التي فرضها عليه وعلى الملايين من العراقيين سواه نظامُ الحروب والسموم والإغتيالات.ثم إنه ترك وطنه العراق طلباً للأمان له ولأفراد عائلته.

أمر آخر لفت نظري وأنا اقوم بدراسة الديوان: يتحدر الشاعر من عائلة شديدة التمسك بدينها لكنَّ السيد أحمد الكعبي، وريث دين ومذهب ومقدسات هذه العائلة، وربما أغلب تقاليدها وعاداتها، عزل هذا الإرث الديني عن عناصر إلهامه الشعري حتى أنَّ القاريء لا يكاد يقرأ في الديوان أي أثر لهذا الموروث الذي يعتز به الشاعر. تلكم لَعَمري ظاهرة نادرة وفريدة في تأريخ الشعر. فالشعر مرآة الشاعر ظاهراً وباطناً كما نعلم. لقد عزل الشاعر دينه عن دنياه فتكشّفت مملكته الشعرية مملكةً علمانية ليس فيها تطرف ديني أو سياسي.كما إنها تخلو من سادية بعض الشعراء الذين يحاولون جاهدين أن يفرضوا على قاريء شعرهم مذاهبهم وعقائدهم ومناهجهم وأذواقهم الأدبية. هل نبحث أو نسأل عن سر هذه الظاهرة ؟ سُدىً… فالرجل نسيج خاص بين الرجال الشعراء.

أبرزُ موضوعات الديوان :

يضم الديوان سبعاً وعشرين قصيدة موزعة على سبع وثمانين صفحة. كتب هذه القصائد ما عدا واحدة في مدينة ميونيخ الألمانية. أهداه إلى المرحوم والده بقوله [ إلى أبي… لا زال مجلس العزاء في قلبي، ألا تأتي لتعزّيني ؟ ]. كما كتب لي على الصفحة الأولى من النسخة التي أهداني [ حين كان العراقُ يضمّنا بكيناهُ حبّاً… وها نحن نبكيه كحلم لا يأتي ولو مرّة في ليالينا الخالية من القمر!! ]. هل هناك ما هو أبلغ من هذين الإهداءين وما جاء فيهما من كلام ؟ مفتاحان هائلان أو بوابتان تنفتحان على عوالم الشاعر وشعره. رصدت موضوعاتٍ أربعةً رئيسة تدور حولها هواجس الشاعر ومحتويات الديوان. لعلنا إذا ما درسناها عن كثب أن نهتدي إلى قلب الشاعر ولعلنا أن نُوَفق إلى فهم مقاصده والولوج إلى عالم أسراره وفك طلسمات أحلامه ورموزه. المحاور الرئيسة الأربعة هي :

1- الحرب… الموت… المقابر

2- إنقسام الشاعر على نفسه / الأشباح والأحلام

3- الماء… الأنهار… المطر

4- الأبواب… المدن

الحرب… الموت خدم الشاعر أربعة أعوامٍ مُجنّداً في الجيش العراقي.كما عانى كبقية العراقيين من ويلات الحروب والغزو فكان شاهد عيان حيّاً على ما أصاب وطنه ومواطنيه من خراب ودمار وموت وإعدامات في الشوارع وتعليق للجثث على أبواب الدور، ومن زج عشوائي في السجون الرهيبة ومن تخريب للذمم والنفوس وتدنيس للأعراض. جرى كل هذا أمام عينيه سواءً أكان طالباً جامعياً أو عسكرياً مُجنّداً في أحد صنوف الخدمة العسكرية الفعلية. ترك هذا الدمارُ غير المسبوق للأرض والعرض والبشر… ترك أعمقَ الآثار في دواخل الشاعر كما ترك بصماتٍ لن تنمحي وجروحاً غائرة في ظُلمات روح الشاعر وفي عقليه الظاهر والباطن. نقرأ هذه الآثار ونتلمس دماء هذه الجروح طريةًّ فوّارةً صبغت الكثير من أشعاره وتركته كالحالم لا يميز بين ما هو واقعي وبين ما هو ليس واقعياً. لقد إنقسم جرّاء ذلك - كما سنرى – على نفسه ولم يعُد قادراً على تحمّل هذا العبء الُمفْرِط بالثِقَل من ذكريات الحروب والتخريب والدمار المبرمج بدقة وخبث ووفق منهجية مشبوهة. حاول الشاعر بكل ما أُوتي من قوّة وقدرة أن ينسلخ عن كوابيس عالم مرعب عايشه بكافة دقائقه وحاول أن ينساه لكنه، حتى بعد أن إستطاع الهروب من العراق واللجوء إلى بلد آمِن، وجده شاخصاً أمام ناظريه مُجسَّداً يترصده في اليقظة وفي دنيا الأحلام والرؤى. لذا جاءت معظم أشعار الديوان مزيجاً من سوريالية الواقع وهذيان الأحلام ولا واقعيتها ولا معقوليتها. الشاعر راصد ممتاز ومقدام في رسم دقائق وجزئيات صور الرعب وإحالة لوح الأحلام السالب إلى لوحات متحركة موجبة الأشكال والأبعاد. إنه لشاعرٌ متمكِّن من خياله ومسيطر على أدواته ووسائله الشعرية إنْ لغةً أو سرداً مركّزاً أو عرضاً م_5ذهِلاً وقدرةً على تنفيذ مشاريع وموضوعات قصيده. بهذه المزايا أراه متفوّقاً على الكثير ممن أعرف من شعراء قصيدة النثر من الشباب الجُدُد. أين نجد الحرب في شعر أحمد الكعبي ؟ نجدها موزعة بدقة على أغلب صفحات الديوان. مثلا، قال في قصيدة ( شموع الأشلاء ) : صباح القتل … مسدسٌ في وجهي ووجهك أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟ مُدججٌ يقدمُ وآخرُ يخبو ونحن نفتحُ التلفاز لنعرفَ عدد القتلى ماذا لو أطفأنا العالم وأيقظنا القتلى ليومٍ ليس فيه ساعةٌ ولا مسدسٌ !! … إفتتح الشاعر هذه القصيدة بجملة ( صباح القتل ) ساخراً من تحية الصباح المألوفة ( صباح الخير ). لا صباحات في عراق السموم والحروب دون قتلى وقتول والمزيد من المصائب والكوارث والنكبات. تحيتهم صباح القتل، فمع الصباح تأتي العوائلَ العراقية أخبارُ قتلاهم سواء في سوح المعارك والحروب مع الجيران أو تحت أعواد المشانق أو في رصاص الإغتيالات الغامضة ومجهولية القاتل.

(مسدس في وجهي ووجهك… أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟؟؟ )) هذا هو السؤال

الذي كان يحدد مصائر العراقيين : فوّهات مسدسات النظام البائد كانت مُسددة بثبات نحو وجوه العراقيين كافة، شاءوا أم أبوا، صمتوا على الهوان أو صرخوا في وجوه القتلة. الموت قادم مع كل صباح يدق الأبواب باباً باباً فأين المفر ؟ لا مفرَّ ولا مهرب. الموت هو القدر والقدر هو الموت… فالنظام كان نظام موت وإفناء وتدمير، نظام قائم على الضد من إرادة الحياة ونواميس الطبيعة. يولد أطفال العراق ليجدوا أنفسهم أمام سَبَطانات

( ماسورات ) المسدسات والبنادق والرشاشات وربما المدافع والدبابات. لا يتسلّى العراقيون بجهاز التلفزيون كباقي خلق الله، لا أغاني تستهويهم ولا مسلسلات، إنما تشدهم أنباء من سقط قتيلاً ومن آب من الجبهة جريحاً ومن أُعدِم رمياً بالرصاص في وسط مدنهم كما حصل للأديب والروائي حسن مطلق الرملي ( إقرأ رواية الفتيت المُبعّثر للكاتب محسن الرملي / الناشر : مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، أغسطس 2000 ). ( نفتح التلفاز لنعرف عدد القتلى… ماذا لو أطفأنا العالم وأيقظنا القتلى ليوم ليس فيه ساعةٌ ولا مسدس !! ). قد يسأل سائلٌ : وما هي علاقة الساعة بالمسدس ؟ الساعة هي ساعة قيامة الموتى (( يومَ أن تقومَ الساعة… )) أي أوان أن يقوم الموتى ساعة الحساب من قبورهم… وليست الساعة اليدوية التي يضعها البشر في معاصم أيديهم. يتمنى الشاعر الخلود لأخيه الإنسان… لا يريده أن يموت، تماماً كأمنية جلجامش وسعيه في الآفاق وراء عشبة الخلود. لا قيامة ولا ساعة للقيامة إلاّ بعد موت. يبتغي الشاعر الحياة الأبدية خاليةً من عناصر الفناء ومن أدوات الموت كالمسدس وما شابهه من وسائل القتل والفتك. إنها مجرد أُمنية كبيرة ومفرِطة في طوباوية الخيال. إنها جنّة المؤمنين ولكنها جنّة مبنية على تراب أديم كرتنا الأرضية. مرةً أخرى ينجح الشاعر في الجمع بين الدين والدنيا.

أقول للشاعر : سيبقى المسدس مشهوراً في وجوهنا وسيبقى البشر منتظرين قيام الساعة.

من أجواء الحرب الأخرى. قال الشاعر في قصيدة ( الحفرُ في وجه المكان )

أحفرُ

أحفرُ

القبور قادمة

كان الكافورُ أشجاناً

وأنا أتلو خافتاً

لا مرورَ إلاّ للغربانِ

ولا صُراخ سوى للريح

شاهدٌ يجرُّ جُثةً من الرصيفِ

والرصيفُ دون جثّة !

ميدوزا بقايا لكوليرا الأسطورة

وأنكيدو تجرّبَ بحب الشبابِ

العصورُ الذهبيةُ تنكٌ صديء

وقرارُ الحربِ عادةٌ سريّةٌ

إذن

حضّرتُ ثيابَ الأشباحِ

كي أسُدَّ بكاءَ أُمّي

من ميازيب الرهبة

إذن هو الموتُ… قادمٌ

سماوات

أَرَضين

وتلفازٌ أعور

كنتُ أقولُ لي

أحفرْ

أحفرْ

فالموتُ قادم

سوف أُواري القتلى عن ساحة الكذب

وأواري أوسمة العهر عن جيد القهقهة

وعينٌ أخرى لتلفاز المقبرة

إطلاق نارٍ في جبهة خامسةٍ

وأصابع ترفعُ الأدغالَ من ضلوعي

جنرال جديدٌ ببزةٍ من صُراخِ الأرامل

وجنديٌ يحملُ دُميةً حمراء !

ماذا لو خرجَ الشهداءُ ؟

وفي صدورهم وجوهُ الأرامل ؟

أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم

وأيُ سكوت ؟

فأنا أحفرُ في وجهِ القنبلةِ قبرَ المكانِ

أحفرُ

والحُسينُ بسبعين نجمة يمرُّ

سيدي هذا قبري

وهذه عاشوراءُ الوطن

أحفرُ

أحفرُ

وأنا دون ظلٍّ

أُخفي جندياً هرب من المدينة

أمسحُ ثيابه بدمي

علّهُ يتذكرُ الليلةَ أنَّ هناكَ إجازة

للعبِ فوق براكين الحياة

لكنه جندي… لا أكثر !

رفعوهُ من اللافتة

وألزموه الخندق.

كرر الشاعر في هذه القصيدة الفعل (( أحفرُ )) ثلاث عشرة مرة 13 ، فما سبب وما سرُّ ذلك وما هي دلالته ؟ حفر الشاعر والجندي المقاتل نوعين من القبور : قبوراً ضمت رفات الشهداء الذين سقطوا ضحايا جنون رأس النظام الفاشي والمُسرف في الشذوذ والإنحراف عن كل ما هو مألوف ومعروف. (( ماذا لو خرجَ الشهداءُ ؟ وفي صدورهم وجوه الأرامل ؟ أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم ؟ )). أجل، أية حفرة تتسع لمئات آلاف القتلى في جبهات الحرب أو القتلى الراقدين في القبور الجماعية أطفالاً ونساءً وشباباً وشيوخاً ؟؟؟

المزيد


. فيصل عبد الحسن قيامة رجل لأحمد عبد الزهرة الكعبي..

شباط 13th, 2006 كتبها أحمد عبدالزهرة الكعبي نشر في , كتبوا عن أحمد عبدالزهرة الكعبي

 

قيامة رجل لأحمد عبد الزهرة الكعبي..  

. فيصل عبد الحسن


شعر أحتفالي يذكرنا بمراسيم عاشوراء الحزينة في الفلكلور الديني في جنوب العراق..

 

 

 يكتب الشاعر أحمد عبد ا لزهرة الكعبي بمداد لا يجف على الورق وتشعر بالكلمات تلصق بأصابعك كأنها كتبت قبل لحظة، وليس الأمر قولا بمعنى أن- أجمل الشعر أكذبه -أو أن -أهم ما قيل عن الشعر كتبه نقاد مبالغون، ميالون لوضع الخفين في قدمي الحافي- ولكن جولة أستكشاف واحدة لأستجلاء قيامة الرجل، وهو عنوان ديوانه الأول يجعلنا نشعر أن الديوان لم يكتبه شاعر شاب في بواكير حياته الأدبية، يحاول أن يتلمس خطواته ضمن موجة قصيدة النثر بأخطاء كتابها المعروفة،اخطاء أسلوبية ونحوية واملائية في بعض الأحيان، ولا تجد حتى الروح الغنائية الأيقاعية التي يجب أن تتوفر عليها قصيدة النثر للتعويض عن الوزن والقافية، وخالية أيضا من الصورة الشعرية التي تعوض قصيدة النثر جزالة قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية في الكثير من الأحيان وذلك مانجده عادة في الشعر المنثور لأنسي الحاج والماغوط وتجارب أكثر حداثة لأمجد ناصر وسيف الرحبي وعباس بيضون وحسن نجمي وأحمد مطر في بعض قصائده..لقد كان الشاعر في ديوان- قيامة رجل- لا يتشكل أمام قارئه بل هو موجود منذ التلويحة الأولى للشاعر في عتبة الديوان..
 اقرأ الاهداء..الى..أبي لا زال مجلس العزاء في قلبي ألا تأتي لتعزيني.. أذن يقترح الشاعر على قارئه زيارة للعزاء التي يقيمها في بطن ديوانه، عزاء حقيقي بكل مفردات العزاء في الحزن العراقي التأريخي منذ موت أنكيدو في ملحمة جلجامش السومرية الأولى التي ابدعها الحزن العراقي ليعلم العالم جميعا كيف يمكن تحويل الحزن العظيم الى أناشيد خالدة تحكي عن..هو الذي رأى، فلتغن يا شعوب الأرض له.. كما جاء في بداية الملحمة الخالدة.. ملحمة جلجامش، الى موت الألاف بل مئات ألألاف من الشباب في حروب عبثية بالأمس القريب وفي أيامنا الحالية في العراق.. من مفردات العزاء الذي يقيمه في ديوانه لأبيه-الوطن والأهل- أحفر.. أحفر
القبور قادمة…/ كان الكافور أشجانا / وأنا أتلو خافتا../ لا مرور الا للغربان../ ولا صراخ سوى للريح / شاهد يجر جثته من الرصيف / والرصيف دون جثة.. أنكيدو يجرب دواء لحب الشباب../العصور الذهبية تنك صدىء / وقرار الحروب عادة سرية / أحضرت ثياب الأشباح /..

المزيد