
ديوان شعر للشاعر أحمد عبد الزهرة الكعبي
ألطبعة الأولى، أيلول 2004 . الناشر : الحضارة للنشر. القاهرة
أحمد الكعبي شاعر آخر من شعراء قصيدة النثر الشباب. عراقي المولد ألماني الإقامة. لفت نظري قبل كل شيء أسلوبه الخاص في إختيار عناوين قصائده. فلكل عنوان نكهة خاصة ومزاج خاص. ووراء كل عنوان رمز خاص أو عدّة رموز يُفصح الشاعر عنها خلال سرد عناصر القصيدة. ولكن حذارِ : ما تقوله الكلمات شيء وما يريد أن يقوله الشاعر شيء آخر. فشعره على وجه العموم شعر قريب جدّاً من الشعر السوريالي. وإنَّ الشاعر لقدير ومتمكن من أدواته وأساليبه. ثمّة أمر آخر شدّني بقوة إلى شخصية هذا الرجل : إنه يتحرك كصخرة بازلت هائلة لا يؤثر فيها مطر ولا برق ولا رعود. إنه من نسيج خاص من الرجال، يتقبل أقداره باسماً. يؤخذ إلى العسكرية وسوح القتال فلا يبالي ولا يُقيمُ وزناً لإحتمال الموت. كأنَّ شعاره ( ومن لم يَمُت بالسيف مات بغيره…). هل معنى هذا أنَّ الشاعر – الإنسان لا يساهم في صنع بعض أقداره ؟ الجواب بلى. إنه على سبيل المثال هرب من الخدمة العسكرية التي فرضها عليه وعلى الملايين من العراقيين سواه نظامُ الحروب والسموم والإغتيالات.ثم إنه ترك وطنه العراق طلباً للأمان له ولأفراد عائلته.
أمر آخر لفت نظري وأنا اقوم بدراسة الديوان: يتحدر الشاعر من عائلة شديدة التمسك بدينها لكنَّ السيد أحمد الكعبي، وريث دين ومذهب ومقدسات هذه العائلة، وربما أغلب تقاليدها وعاداتها، عزل هذا الإرث الديني عن عناصر إلهامه الشعري حتى أنَّ القاريء لا يكاد يقرأ في الديوان أي أثر لهذا الموروث الذي يعتز به الشاعر. تلكم لَعَمري ظاهرة نادرة وفريدة في تأريخ الشعر. فالشعر مرآة الشاعر ظاهراً وباطناً كما نعلم. لقد عزل الشاعر دينه عن دنياه فتكشّفت مملكته الشعرية مملكةً علمانية ليس فيها تطرف ديني أو سياسي.كما إنها تخلو من سادية بعض الشعراء الذين يحاولون جاهدين أن يفرضوا على قاريء شعرهم مذاهبهم وعقائدهم ومناهجهم وأذواقهم الأدبية. هل نبحث أو نسأل عن سر هذه الظاهرة ؟ سُدىً… فالرجل نسيج خاص بين الرجال الشعراء.
أبرزُ موضوعات الديوان :
يضم الديوان سبعاً وعشرين قصيدة موزعة على سبع وثمانين صفحة. كتب هذه القصائد ما عدا واحدة في مدينة ميونيخ الألمانية. أهداه إلى المرحوم والده بقوله [ إلى أبي… لا زال مجلس العزاء في قلبي، ألا تأتي لتعزّيني ؟ ]. كما كتب لي على الصفحة الأولى من النسخة التي أهداني [ حين كان العراقُ يضمّنا بكيناهُ حبّاً… وها نحن نبكيه كحلم لا يأتي ولو مرّة في ليالينا الخالية من القمر!! ]. هل هناك ما هو أبلغ من هذين الإهداءين وما جاء فيهما من كلام ؟ مفتاحان هائلان أو بوابتان تنفتحان على عوالم الشاعر وشعره. رصدت موضوعاتٍ أربعةً رئيسة تدور حولها هواجس الشاعر ومحتويات الديوان. لعلنا إذا ما درسناها عن كثب أن نهتدي إلى قلب الشاعر ولعلنا أن نُوَفق إلى فهم مقاصده والولوج إلى عالم أسراره وفك طلسمات أحلامه ورموزه. المحاور الرئيسة الأربعة هي :
1- الحرب… الموت… المقابر
2- إنقسام الشاعر على نفسه / الأشباح والأحلام
3- الماء… الأنهار… المطر
4- الأبواب… المدن
الحرب… الموت خدم الشاعر أربعة أعوامٍ مُجنّداً في الجيش العراقي.كما عانى كبقية العراقيين من ويلات الحروب والغزو فكان شاهد عيان حيّاً على ما أصاب وطنه ومواطنيه من خراب ودمار وموت وإعدامات في الشوارع وتعليق للجثث على أبواب الدور، ومن زج عشوائي في السجون الرهيبة ومن تخريب للذمم والنفوس وتدنيس للأعراض. جرى كل هذا أمام عينيه سواءً أكان طالباً جامعياً أو عسكرياً مُجنّداً في أحد صنوف الخدمة العسكرية الفعلية. ترك هذا الدمارُ غير المسبوق للأرض والعرض والبشر… ترك أعمقَ الآثار في دواخل الشاعر كما ترك بصماتٍ لن تنمحي وجروحاً غائرة في ظُلمات روح الشاعر وفي عقليه الظاهر والباطن. نقرأ هذه الآثار ونتلمس دماء هذه الجروح طريةًّ فوّارةً صبغت الكثير من أشعاره وتركته كالحالم لا يميز بين ما هو واقعي وبين ما هو ليس واقعياً. لقد إنقسم جرّاء ذلك - كما سنرى – على نفسه ولم يعُد قادراً على تحمّل هذا العبء الُمفْرِط بالثِقَل من ذكريات الحروب والتخريب والدمار المبرمج بدقة وخبث ووفق منهجية مشبوهة. حاول الشاعر بكل ما أُوتي من قوّة وقدرة أن ينسلخ عن كوابيس عالم مرعب عايشه بكافة دقائقه وحاول أن ينساه لكنه، حتى بعد أن إستطاع الهروب من العراق واللجوء إلى بلد آمِن، وجده شاخصاً أمام ناظريه مُجسَّداً يترصده في اليقظة وفي دنيا الأحلام والرؤى. لذا جاءت معظم أشعار الديوان مزيجاً من سوريالية الواقع وهذيان الأحلام ولا واقعيتها ولا معقوليتها. الشاعر راصد ممتاز ومقدام في رسم دقائق وجزئيات صور الرعب وإحالة لوح الأحلام السالب إلى لوحات متحركة موجبة الأشكال والأبعاد. إنه لشاعرٌ متمكِّن من خياله ومسيطر على أدواته ووسائله الشعرية إنْ لغةً أو سرداً مركّزاً أو عرضاً م_5ذهِلاً وقدرةً على تنفيذ مشاريع وموضوعات قصيده. بهذه المزايا أراه متفوّقاً على الكثير ممن أعرف من شعراء قصيدة النثر من الشباب الجُدُد. أين نجد الحرب في شعر أحمد الكعبي ؟ نجدها موزعة بدقة على أغلب صفحات الديوان. مثلا، قال في قصيدة ( شموع الأشلاء ) : صباح القتل … مسدسٌ في وجهي ووجهك أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟ مُدججٌ يقدمُ وآخرُ يخبو ونحن نفتحُ التلفاز لنعرفَ عدد القتلى ماذا لو أطفأنا العالم وأيقظنا القتلى ليومٍ ليس فيه ساعةٌ ولا مسدسٌ !! … إفتتح الشاعر هذه القصيدة بجملة ( صباح القتل ) ساخراً من تحية الصباح المألوفة ( صباح الخير ). لا صباحات في عراق السموم والحروب دون قتلى وقتول والمزيد من المصائب والكوارث والنكبات. تحيتهم صباح القتل، فمع الصباح تأتي العوائلَ العراقية أخبارُ قتلاهم سواء في سوح المعارك والحروب مع الجيران أو تحت أعواد المشانق أو في رصاص الإغتيالات الغامضة ومجهولية القاتل.
(مسدس في وجهي ووجهك… أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟؟؟ )) هذا هو السؤال
الذي كان يحدد مصائر العراقيين : فوّهات مسدسات النظام البائد كانت مُسددة بثبات نحو وجوه العراقيين كافة، شاءوا أم أبوا، صمتوا على الهوان أو صرخوا في وجوه القتلة. الموت قادم مع كل صباح يدق الأبواب باباً باباً فأين المفر ؟ لا مفرَّ ولا مهرب. الموت هو القدر والقدر هو الموت… فالنظام كان نظام موت وإفناء وتدمير، نظام قائم على الضد من إرادة الحياة ونواميس الطبيعة. يولد أطفال العراق ليجدوا أنفسهم أمام سَبَطانات
( ماسورات ) المسدسات والبنادق والرشاشات وربما المدافع والدبابات. لا يتسلّى العراقيون بجهاز التلفزيون كباقي خلق الله، لا أغاني تستهويهم ولا مسلسلات، إنما تشدهم أنباء من سقط قتيلاً ومن آب من الجبهة جريحاً ومن أُعدِم رمياً بالرصاص في وسط مدنهم كما حصل للأديب والروائي حسن مطلق الرملي ( إقرأ رواية الفتيت المُبعّثر للكاتب محسن الرملي / الناشر : مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، أغسطس 2000 ). ( نفتح التلفاز لنعرف عدد القتلى… ماذا لو أطفأنا العالم وأيقظنا القتلى ليوم ليس فيه ساعةٌ ولا مسدس !! ). قد يسأل سائلٌ : وما هي علاقة الساعة بالمسدس ؟ الساعة هي ساعة قيامة الموتى (( يومَ أن تقومَ الساعة… )) أي أوان أن يقوم الموتى ساعة الحساب من قبورهم… وليست الساعة اليدوية التي يضعها البشر في معاصم أيديهم. يتمنى الشاعر الخلود لأخيه الإنسان… لا يريده أن يموت، تماماً كأمنية جلجامش وسعيه في الآفاق وراء عشبة الخلود. لا قيامة ولا ساعة للقيامة إلاّ بعد موت. يبتغي الشاعر الحياة الأبدية خاليةً من عناصر الفناء ومن أدوات الموت كالمسدس وما شابهه من وسائل القتل والفتك. إنها مجرد أُمنية كبيرة ومفرِطة في طوباوية الخيال. إنها جنّة المؤمنين ولكنها جنّة مبنية على تراب أديم كرتنا الأرضية. مرةً أخرى ينجح الشاعر في الجمع بين الدين والدنيا.
أقول للشاعر : سيبقى المسدس مشهوراً في وجوهنا وسيبقى البشر منتظرين قيام الساعة.
من أجواء الحرب الأخرى. قال الشاعر في قصيدة ( الحفرُ في وجه المكان )
أحفرُ
أحفرُ
القبور قادمة…
كان الكافورُ أشجاناً
وأنا أتلو خافتاً
لا مرورَ إلاّ للغربانِ
ولا صُراخ سوى للريح
شاهدٌ يجرُّ جُثةً من الرصيفِ
والرصيفُ دون جثّة !
…
ميدوزا بقايا لكوليرا الأسطورة
وأنكيدو تجرّبَ بحب الشبابِ
العصورُ الذهبيةُ تنكٌ صديء
وقرارُ الحربِ عادةٌ سريّةٌ
إذن…
حضّرتُ ثيابَ الأشباحِ
كي أسُدَّ بكاءَ أُمّي
من ميازيب الرهبة
…
إذن هو الموتُ… قادمٌ
سماوات
أَرَضين
وتلفازٌ أعور
…
كنتُ أقولُ لي
أحفرْ
أحفرْ
فالموتُ قادم
…
سوف أُواري القتلى عن ساحة الكذب
وأواري أوسمة العهر عن جيد القهقهة
…
…
وعينٌ أخرى لتلفاز المقبرة
إطلاق نارٍ في جبهة خامسةٍ
وأصابع ترفعُ الأدغالَ من ضلوعي
جنرال جديدٌ ببزةٍ من صُراخِ الأرامل
وجنديٌ يحملُ دُميةً حمراء !
ماذا لو خرجَ الشهداءُ ؟
وفي صدورهم وجوهُ الأرامل ؟
أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم
وأيُ سكوت ؟
فأنا أحفرُ في وجهِ القنبلةِ قبرَ المكانِ
أحفرُ
والحُسينُ بسبعين نجمة يمرُّ
سيدي هذا قبري
وهذه عاشوراءُ الوطن
أحفرُ
أحفرُ
وأنا دون ظلٍّ
أُخفي جندياً هرب من المدينة
أمسحُ ثيابه بدمي
علّهُ يتذكرُ الليلةَ أنَّ هناكَ إجازة
للعبِ فوق براكين الحياة
…
لكنه جندي… لا أكثر !
رفعوهُ من اللافتة…
وألزموه الخندق.
كرر الشاعر في هذه القصيدة الفعل (( أحفرُ )) ثلاث عشرة مرة 13 ، فما سبب وما سرُّ ذلك وما هي دلالته ؟ حفر الشاعر والجندي المقاتل نوعين من القبور : قبوراً ضمت رفات الشهداء الذين سقطوا ضحايا جنون رأس النظام الفاشي والمُسرف في الشذوذ والإنحراف عن كل ما هو مألوف ومعروف. (( ماذا لو خرجَ الشهداءُ ؟ وفي صدورهم وجوه الأرامل ؟ أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم ؟ )). أجل، أية حفرة تتسع لمئات آلاف القتلى في جبهات الحرب أو القتلى الراقدين في القبور الجماعية أطفالاً ونساءً وشباباً وشيوخاً ؟؟؟
المزيد